شيء ما يموت

by Sunday, February 22, 2009 19 تعليقات
جيتار
غالباً ما يفضل المبتدئين - من أمثالي - صوت الجيتار ( الفولك ) ذو الأوتار المعدنية عن صوت الجيتار
الكلاسيك ) و بعضهم يذهب بالفعل ليشتريه بالرغم من تحذيرات أساتذة الموسيقى لهم من إمكانية )
إصابة رؤوس أصابعهم بجروح في بداية دراستهم
و لكن مع الوقت - و بعد شوطاً لا بأس به من الألم - تصبح رؤوس أصابعك أكثر قسوة ... يموت بعضاً من الجلد ليصير أكثر صلابة عندها تكف عن الشعور بالألم
غريب حقاً كيف يموت جزء من إحساسك و أنت بعد في طريقك لأن تتقن حرفة تجسيد الأحاسيس ... تلك التي يسمونها موسيقى
مع الوقت ... شيء ما يولد ... و شيء ما يموت
... و لكنني لم آت إلي هنا لأتكلم عن الجيتارات
لا .... ليس اليوم



align="right">
----

صمامات القلب
أسافر كل جمعة إلي منطقة الخصوص التابعة لمحافظة القليوبية لأمارس نوعاً من الخدمة الإجتماعية للمحتاجين هناك
نصرف إعانات عينية و مرتبات شهرية للفقراء ... ندخل منازل و أكواخ بسيطة ... نستمع لشكاوى و آلام كثيرة
نقابل بشراً يعيشون على الهامش .. و هي صنعة - لو تدري - متناهية الصعوبة
من داخل منازلهم المتواضعة تبدو كلمات كالديموقراطية , و السياسة و الليبرالية كأنها حلم ليلة صيف
كأنها أطياف مموهة المعالم ممسوحة الملامح ... خيالات تراها من وراء لوح زجاجي غير مصقول
نذهب لتلك الأسرة فتسلمنا الأم روشتة طبية لأبنتها الصغيرة التي خضعت لجراحة منذ فترة أستبدلت خلالها صماماً في القلب
" الدوا غالي .. و أنا جوزي أُجري باليومية ... يوم يهم عالشغل و عشرة يجعد في البيت "
نذهب إلي الصيدلية التي نتعامل معها و نصطحب معنا الطفلة ... أختلس بعض النظرات إلي شعرها الناعم المجدول في ضفيرة
يفلت مني بيت شعر إرتجلته فأغمغم به لنفسي
تلك الطفلة الصغيرة
شعرها مجدول في ضفيرة
من صبغ عيناها بلون الدم ؟
من سحب من عروقها الحياة
و نفث سم ؟
يقابلنا الصيدلي بنصف إبتسامة ...يعتدل في جلسته نصف إعتدالة ... و يصرف لنا نصف الدواء
ده دوا مستورد ها أديلها البديل المصري مش ها تفرق و دول فيتامينات , أنا بصرف الدوا المهم بس "
" الفيتامينات مش بصرفها .. و مش بطلع غير حقنة واحدة كل مرة من الدوا ده
" تأثرنا ... أنا و من كانت معي ... قالت لي أمام الصيدلية " إنه جزار
" قلت : " له عذره .. هو صاحب تجارة .. لو تعامل بلين قلب مع الجميع سيشهر إفلاسة في أسبوع
" قالت : " لا أتخيل نفسي هكذا
" قلت : " كلانا جديد على هذه المواقف .. لكن مع الوقت ... شيء ما يموت
... و لكني لست هنا اليوم لأتكلم عن الخصوص أو الفقر
لا .... ليس اليوم
----
ميرنا
أخرج من إغمائتي فجأة لأجدهم يحملونني من سرير إلي آخر
" أتسائل " هل أنتهت العملية ؟
يبتسم أحد الممرضين و يقول
" حمداً لله على السلامة ... العملية لسة خلصانة حالاً و آدينا بننقلك لسرير الأوضة بتاعتك "
أهمس بأرتباك
" لسة خلصانة حالاً ؟! .. أنا كنت فاكر ها أقوم من البنج تاني يوم الصبح "
يقول أحدهم مطمئناً
" الحكاية مش مستاهلة على العموم لو احتجت حاجة دوس على الزر ده "
أسمع صوت طبيب التخدير و هو يقول
" حاول تنام دلوقتي .. و بكره ها تقوم زي الفل "
و لكن الألم و النوم نادراً ما يجتمعان ... حاولت أن أتوصل لمعاهدة سلام بينهما لكن كلاهما كان أكثر غروراً من أن يتنازل
آه لو يعلمون أني كنت قد إحترفت الأرق منذ سنين
أضغط على الزر ... فتهرع إلي غرفتي طبيبة شابة حديثة التخرج تسألني عما هناك
" أتألم "
تحقنني بمسكن للألم .. و تنصحني بالنوم
لماذا ينصحني الجميع بالنوم ؟؟ أحقاً يعتقدون أن الأرق إختيار ؟؟
إنه ديكتاتور أيها النائمون ... لا يأتي إلي الحكم عن طريق إنتخابات حرة بل يدخل إلي ساحة العرش راكباً دبابة
أضغط على الزر مرة أخرى
" أجيبها : " الألم
فتحقنني بالمسكن
و تنصحني بالنوم مرة أخرى
الزر
الألم
المسكن
" حاول أن تنام "
يتكرر الأمر سبعة مرات
أشعر بالذنب حين أراها و هي تفرك عينيها كل مرة
حين تتثائب و هي تحقنني بالمسكن
أشعر بالذنب حين أراها لا تتذمر
و لكن الألم قاس... آه لو تعرف كم هو قاس
تأتيني آخر مرة و تفحص حالتي ثم تقول في نبرة كالإعتذار
" لا أستطيع أن أحقنك بالمسكن مرة أخرى ... في هذا خطورة عليك "
أشكرها على قلبها الحنون ... و أكتفي بأقوى قاتل للألم عرفه الإنسان .. الرحمة
أراقب شروق الشمس من نافذة الغرفة متفكراً فيما فعلته لي تلك الطبيبة الشابة , كيف عذبتها معي تلك الليلة و كيف إحتملتني
مر الوقت بسرعة ... كعادته دائماً حين نتركه بلا مراقبة
إنشغلت بفكري عن الألم ... فذبل ... زحف إلي ركن مظلم في عقلي ليحتضر وحيداً
فمع الوقت ... شيء ما يموت
---
إلي ميرنا .. الطبيبة الشابة التي التي قال عنها الطبيب بعد ذلك أنها كانت تحاول قتلي بالمسكن و لكنها فشلت لحسن حظها و سوء حظه هو
إلي ميرنا الطبيبة التي أبقيتها ساهرة طوال الليل ... فيما كانت تحاول هي أن تجعلني أنام
أشكرك
حسناً أعتقد أن هذا هو ما أتيت اليوم لقوله
بطريقة أو بأخرى
----

على باب الله

Developer

Cras justo odio, dapibus ac facilisis in, egestas eget quam. Curabitur blandit tempus porttitor. Vivamus sagittis lacus vel augue laoreet rutrum faucibus dolor auctor.