Showing posts with label يوتوبيا الجحيم. Show all posts
Showing posts with label يوتوبيا الجحيم. Show all posts

أجفلت حين سمعت صوت إطلاق النار . إرتعشت يدي فتركت شفرة ماكينة الحلاقة جرحا قطعيا صغيرا على رقبتي . أكملت حلاقة ذقني ، ذهبت إلى المطبخ ، فتحت برطمان البن و أخذت بعضا منه لأكبس الدم 
" بالمعلقة مش بإيدك يا وله ، أيديك كلها صابون هتكرف على البن " 
قالتها أمي و هي تجلس جلستها الأزلية فوق الكنبة فأجبتها دون أن أنظر إليها 
" معلش يا أما " 
خلعت الشبشب و رفعت ساقيها لتطويهما تحتها ثم إنزاحت إلى الوراء لتستند بظهرها إلى ظهر الكنبة و هي تقول 
" ما تبص تشوف صوت الرصاص ده أيه حكايته ؟ " 
ثم أعقبت بسرعة و قد رقت نبرة صوتها و رجعت إلى لسانها لكنته الصعيدية
" بس بقولك .. بص و الشيش موارب انا مش مستغنية عنك يا ولدي " 
إقتربت من الشباك و فتحت ضلفتي الشيش نصف فتحة رأيت منها عربة نصف نقل تسير ببطء في بحر الشارع يقف فوقها أربعة رجال يرفع كل منهم رشاشا و يتناوبون أطلاق الرصاص في الهواء 
" عالم غرباوية يا أما .. مش من المنطقة بس شكلهم بلطجية " 
أعقبت بأرتياح 
" طب الحمد لله ، كنت خايفة ليكونوا السلفيين و يطلعوا يبهدلونا " 
أغلقت الشباك و دخلت غرفة نومي لأرتدي ملابسي
" ها يعملوا فينا أيه يعني ، قال أيش ياخد الريح من البلاط " 
على باب الشقة سألتها 
" مش عايزة حاجة أجيبهالك و انا راجع بالليل يا أما ؟ " 
" سلامتك يا ولدي .. العدرا تحرسك " 
----------
بدأت الحكاية مع بدء هوجة الثورة ، ذات يوم كنت سهرانا مع أبناء الحي في ما أسموه بعد ذلك باللجان الشعبية ننتظر البلطجية و الهاربين من السجون بالنبابيت و الأسلحة النارية و نرهف السمع لصففافير كتائبنا الأمامية تحذرنا من إقتراب الخطر . عندها أخبرني حسين السواق أن مرآة سيارته الجانبية قد سُرقت و أن ثمن المرآة الأصلية يفوق الخمسمائة جنيه ، و لأن صاحب السيارة رفض بخساسة متوقعة أن يساهم في ثمنها فأضطر حسين أن ينزل إلى سوق التوفيقية ليشتري مرآة أخرى بسعر أقل . أخبرني أن المرآة التي أشتراها كانت في الغالب مسروقة و أن خلع المرآة ليس صعبا إذ تركب مرايا الموديلات الحديثة  في أماكنها بنظام التعشيق و بدون مسامير .. " لو معاك مفتاح .. توك .. المراية تطلع في أيدك " 
بعد ذلك عرفت أن حسين السواق كان مخطئنا ، و أن أفضل وسيلة لل" توك" كانت بأستخدام سكين صغيرة كانت تستخدمها أمي لتقشير البطاطس ، ينزلق نصلها الرفيع المرن أسفل المرآة و " توك" المراية تطلع في أيدك . 
كانت غلّة اليوم حوالي عشرة مرايات .تزيد أو تنقص قليلا ، و لكني على أيه حال كنت قد أتفقت مع احمد مرسيدس - و هو نفس البائع الذي أشترى منه حسين السواق مرآته - أن أبيعه غلّتي اليومية بخمسين جنيها
لم أكن أنظر إلى الموضوع تلك النظرة الفوقية التي يتقنها المثقفون و رجال الدين ، و إن كنت أظن أني مثقفا بعض الشيء ، صحيح أغلب زملائي في معهد الخدمة الإجتماعية كانوا يفكون الخط بصعوبة بالغة و ينفرون من القراءة إلا أني كنت أحب قراءة الروايات الرخصية التي تنام على أرصفة الشوارع أمام فرشة بائع الجرائد ، صحيح أيضا أن أغلبها كان يتكلم عن الضمير و يضع خطوطا واضحة تفصل بين الخير و الشر ، الصواب و الخطأ و هي جميلة في ذاتها لكنها غير صالحة لهذا العالم الذي أحيا فيه تماما كالأفلام هي جيدة للفرجة و لكنها مستحيلة التطبيق
لا أحيا حياة مزدوجة كمجرمي الأفلام فأمي تعرف كل شيء عن مهنتي الجديدة تماما كما تعرف أم سيد و أم عيسي و أم يونس بأنشطة أبنائهن إن سألتهن يجاوبونك ببراءة " بيأجروا مَكَن و يدوروا ينتشوا شنط و سلاسل الحريمات " 
 ---------
 في المساء أعود إلى الحارة ، أجلس مع محمد صديقي أمام ورشة الدوكو التي يعمل بها . فور أن يراني صبي القهوجي يبدأ في تجهيز كوب الشاي و رص حجر المعسل و غسل الشيشة بماء نظيف . يعلوا صواتا من شقة علي السُني ، في الدور الأرضي بالعمارة المواجهة لورشة الدوكو مباشرة . تصل إلي مسامعنا أصوات كركبة أثاث و قرقعة معدنية صاخبة و زعيق متبادل . يظهر أن علي السُني يضرب زوجته الجديدة .أنفث دخان حجر المعسل في صمت و لا أعقب . أن تكون مسيحيا في مصر يعني أن تتعلم ألا تحشر أنفك فيما لا يعنيك . هي القاعدة رقم واحد . كل الآراء حميدها و خبيثها تمر .. تُبتلع و لو على مضض . إلا رأي القبطي . حميده و خبيثه يعلق في الزور كالشوكة . هكذا علمتني الأيام بالطريقة الأصعب . 
" علي السني يتحدى الملل " 
يلفظها محمد بصعوبة و هو ينفث دخان الشيشة و يسعل من الضحك . أبتسم بدوري و أكلمه عن الموضوع الذي كان قد وعدني به 
" متخافش ، انا ظبطت الدنيا " 
أعتدل في جلستي و أسأله مستفسرا
" طب رسيني على الحوار علشان أبقى في النور " 
أراح لَيّ الشيشة على الطقطوقة التي تتوسطنا و قال 
" زي ما قلتلك .. العالم بتوع حملات مرشحين رئاسة الجمهورية بيوزعوا خمسين جنيه على كل ميكروباص يعلق البوسترات بتاعتهم . و انت عارف أن الميكروباصات علطول داخلة خارجة على ورشة الدوكو اللي محسوبك شغال فيها " 
- " طب و بعدين ؟ " 
أشار بيده قائلا 
" ما انا جايلك في الكلام . أحنا يا سيدي هنستلم الميكروباص هنا في الورشة و نطلعه من الباب الوراني تقوم ناطط أنت فيه زي الشاطر و طيران على العالم بتوع حملات مرشحين الرياسة . تضرب عليه الستيكر بتاع أسم النبي حارسة المترشح و تاخد الخمسين جنيه و ترجع الورشة من الباب الوراني برضه يقوم العبد لله مقشر الستيكر و يشتغل على الميكروباص و يطلعه لصاحبه زي العروسة . و اللي يطلع من الشغلانة نقسمه بالنص " 

تمددت على سريري و قد توردت وجنتيّ بالدماء و ركبتني الحماسة و جعلت أضرب الأرقام و أجمعها و أقسمها محاولا تقدير كم من المال سأجمع في الفترة القادمة.  داهتمني خيالات سعيدة و أنا أسلم نفسي للنعاس . مشاريع تجارية و بيت جديد في منطقة نظيفة و ربما موتوسيكل صيني يوفر عليّ مصاريف المواصلات . سرى الخدر في عروقي فثملت بالأماني و وخم النوم و قلت لنفسي و انا على البرزخ الفاصل بين النوم و الوعي أن الوقت قد حان لأبحث بين بنات عائلتنا عن زوجة جميلة و مهاودة تريحني و ترعى أمي المريضة


-------------

Beirut - Gulag Orkestar
رواية ( يوتوبيا ) لأحمد خالد توفيق
-----------------------------------------------------




صادفني الكتاب و أنا أشرب الكوكاكولا , و أستمتع بعدم مقاطعتي للمنتجات الأمريكية
لاحظت أن الكاتب هو ( أحمد خالد توفيق ) .. رفيق فترة المراهقة و صاحب سلسلة ما وراء الطبيعة .. التي إكتشفنا بعدها .. أن ما وراء الطبيعة كانت تكمن لنا سلسلة فانتازيا , ثم سافاري .. و أخواتهم
---
. لا حظت أيضاً أنها الرواية الأولي له خارج نطاق المؤسسة
(المؤسسة العربية الحديثة للنشر والتوزيع.)
----
بالنسبة لجيلي كان أحمد خالد توفيق هو - بحق - طوق النجاة في وسط بحر القيء الأدبي الذي حاول زميله الدكتور ( نبيل فاروق ) أن يغرقنا فيه

كنت أعتقد دوماً أن توفيق يكتب أشياء تافهة و قصص غبية , و لكني لم أمانع أبداً لأنه كان يكتبها بشكل جيد

كنت و لا زلت أعتقد أن فنه يتشابه مع السيارات الصيني ... جميلة المنظر , حديثة التصميم ... لكن لا تفتح الكبوت ... و لا تنظر إلي الموتور ... و لا تضعها في إختبار حقيقي .. لأنها - و لا شك - ستخذلك


علي خلاف الكثيرين من أدباء الوزن الثقيل الأشبه بالعربة القديمة .. منظرها لا يسر العين , و لكنها صلبة كالصخرة و بداخلها موتور أنجليزي مدة صلاحيته تنتهي في يوم قيام الساعة

و لكن هذا جيد .. فهو نوع من ( البوب آرت ) أو ما نسميه نحن الروايات الشبابية .. و هو ظاهرة صحية و مطلوبة





قد يبدوا مما قيل أني أكره الرجل .. علي العكس تماماً , أنا أحبه جداً

حسناً .. أشتريت روايته ( يوتوبيا ) .. عن دار ميريت للنشر

قرأت تنويعة جديدة علي نفس نغمة نهاية العالم , فالأحداث تدور في المستقبل القريب

يتنبأ - كالعادة - بأن الأغنياء سيصيرون أكثر غني , و الفقراء أكثر فقراً

(يفقد البترول قوته مع إكتشاف شيء جديد ( نسيت أسمه للأسف

تنقلب موازين القوي في العالم .. و إلي آخره من السيناريوهات الكارثية

تنهار الحكومة , الأغنياء يعتذلون في مدينة خاصة بهم في الساحل الشمالي يسميها ( يوتوبيا ) و تحاط - كالعادة - بأسوار و طوق أمني لحمايتها من الرعاع الذي يسميهم الأغنياء بأسم : ( المغايرون ) .. الجديد هنا .. أن الأغنياء يستعينون بقوات المارينز الأمريكية لحمايتهم من طوفان الفقراء المحيط بهم

يخرج شاب يعيش حياة ماجنة من مجمتع الأغنياء ( يوتوبيا ) ليمارس هواية جديدة خارج نطاق المدينة .. و هي - كالعادة أيضاًَ - أصطياد البشر .. من ( المغايرون ) أو الفقراء بالطبع

و تستمر المغامرة .. و تسير الأمور للأسوأ - كما تفعل دوماً - و يستمر الحكي من وجهة نظر الصياد تارة , و من وجهة نظر الفريسة تارة أخري .. لذلك فأسماء فصول الرواية الخمس تتنوع هكذا : الصياد , الفريسة , الصياد , الفريسة . الصياد

worst case Scenario كما هو واضح .. هذا السيناريو لا يبدوا جديداً أبداً ... أنه فقط

أو السيناريو الأسوأ علي الإطلاق .. حيث يتحول كل شيء - بكيفية ما - إلي كارثة

أيقاع الرواية سريع ... يليق بفيلم رعب و يتركك تلهث وراء الأحداث

لا تملك إلا أن تتسائل ... هل يمكن فعلاً أن تسوء الأمور إلي هذا الحد ؟

أعتقد .. أن عم توفيق .. كان يحاول أن يطلق جرس الإنذار .. و يُدعم إعتقادي أنه كان يستعين بمقاطع من الصحف لأخبار حقيقية بين فقرات الرواية

حسناً كنت أتمني أن يستخدم جرساً جديداً ... هذا كل ما هناك

أسلوب عم توفيق رائع فعلاً ... لذلك أثقلت قلبي روايته بأطنان من الكآبة
الخُلاصة : ( يوتوبيا ) هي رواية جديدة /قديمة ... طرح جديد لفكرة قديمة .. و لكنها بالتأكيد رواية تستحق القراءة
-------------------