Showing posts with label إخباريات. Show all posts
Showing posts with label إخباريات. Show all posts


هذه "البتاعة" تظهر على إستحياء في مختلف ضواحي القاهرة . ظهورها الأول / ملاحظتي الأولى لوجودها كانت في الشتاء الماضي . في البداية كنت أظنها سماعات موسيقية تُرتدى حول الأذن Headphones ثم أدركت أنها مجرد غطاء لتدفئة الأذنين .

توقفت فرقة البطاريق عن العزف فكف الحضور عن الرقص و تعلقت أبصارهم بمنصة الموسيقيين حيث تقدم أحد البطاريق إلى مقدمة المنصة بمشيته التي تشبه حركات شارلي شابلن الهزلية وتوقف أمام الميكروفون . عدل من وضع البابيونة الحمراء حول رقبته و قال بصوت رخيم : الآن فقرة التحطيب .
تراجع الحضور ليلتفوا حول ترابيزاتهم و خلت ساحة الرقص فتقدم " بات مان " و هو يلوح بنبوته ثم إنحنى امام تصفيق الحاضرين . و من الجهة المقابلة تقدم غسان مطر يحمل نبوته فاستقبله الجمهور بتحية مماثلة . 
لعبت فرقة البطاريق الموسيقية موسيقى صعيدية راقصة بعد أن أبدل أعضاء الفرقة البدل السموكن بالجلاليب . 
بدأ " بات مان " و غسان اللعبة على مهل ، ثم مع لعلعة الموسيقى زادت وتيرة الضربات و إرتفعت حماسة الجمهور . كانا يرقصان كعصفورين و يتبادلان قعقعة النبابيت كما يتبادل العشاق رسائل الغرام . وفي لحظة شاردة إلتقت عيناهما .. بات مان بعيناه الزرقاوان من خلف قناعه الأسود و غسان مطر بعيناه المحتجبتان خلف نظارة الشمس .  توقف الزمن و ذابت النجوم . من كان يتوقع أن يلطشهما الحب . أخذهما كيوبيد بالقفا على غفلة .
-----
على شرفة قصر "بات مان " المنيف التي تطل على ترعة المريوطية بأول طريق سقارة كان غسان يتكئ على سور الشرفة مختليا بنفسه يتأمل ظل القمر و هو ينام على سطح الماء بعيدا عن صخب الحفلة التي تعترم في فناء القصر 
" إذن أنت مثلي تحب الهدوء"
قالها "بات مان " و هو يقف على طرف الشرفة يحمل في يديه كأسان من السوبيا الساقعة فإلتفت إليه غسان مطر بسرعة فكادت نظارة الشمس أن تنزلق من فوق عينيه إلا ان لحقتها انامله و هي على طرف أنفه فأعادتها إلى مكانها و لكن هذا الجزء من الثانية التي إنكشفت فيها عيناه لم تكن لتعبر على "بات مان " دون ملاحظة . فوشت بما يعترك في قلب صاحبها من هوى و شوق مطمور تحت طبقات من الوقار و العقلانية .
إقترب منه "بات مان " أكثر و هو يقول : دع القلق و إبدا الحياة .. و كما قال صديقي و أستاذي الراحل الدكتور إبراهيم الفقي : " الناجح هو الذي يظل يبحث عن عمل بعد أن يجد وظيفة " .. دعنا نختصر أكثر و نعترف أننا قد وقعنا في الحب 
ضربت ساعة المعصم الكاسيو التي يرتديها غسان نغمة موسيقية فنظر إليها بإرتباك و هو يقول : "منتصف الليل .. يجب أن أرحل على الفور" . خرج من الشرفة و طوى سلالم القصر طيا بإتجاه باب القصر و ذيل بدلته البيضاء يطير من خلفه و هو يجري .
ناداه "بات مان " برجاء : إلى أين ؟ 
أجابه غسان دون أن يلتفت أو يتوقف عن العدو : يجب أن ألحق خطاب السيد الرئيس محمد مرسي  
---

 في مخدعه جلس "بات مان " على كرسيه الهزاز و بين يديه فردة جزمة بيضاء جلدية مقاس 47 كانت قد إنخلعت من قدم غسان و هو يجري فإلتقطها احد الخدم من على سلم القصر و سلمها لبات مان الذي بات ليلته يتأملها و يقلب فيها و يحتضنها . و في النهار التالي كان قد كلف خادمه الأمين بالبحث عن أمهر ماسح أحذية في محيط قهوة البورصة و التكعيبة و البستان بوسط القاهرة ليريه فردة الجزمة البيضاء لعله يتعرف على صاحبها . 
كانت مهمة الخادم سهلة فجميع رواد مقاهي وسط البلد يعرفون عم عليش ، أشهر ماسح احذية في القطر المصري . وجده الخادم امام قهوة الأصدقاء بالبورصة يجلس القرفصاء خلف صندوق الورنيش و يقرعه بالطرف الخشبي لفرشاة التلميع معلنا عن وجودة و إستعداده للخدمة . فسلمه الخادم فردة الجزمة و وعده بمكافأة مالية محترمة إن إستدل على صاحبها .
----
في منزله برملة بولاق حل عليش رباط شنطته وأخرج منها فردة الجزمة البيضاء . كان عليه أولا أن يلمعها جيدا حتى يتسنى له معرفه صاحبها . إن كان من رواد مقاهي وسط البلد ، أخرج من صندوق الورنيش عدته و بدأ يمسحها بخرقة زفرة ليزيل التراب من فوقها . و فجأة إنبعث دخان أحمر كثيف من عنق الجزمة فألقاها عليش بعيدا و هو مرتعب يراقب تدفق الدخان المستمر من الجزمة . أراد أن يهرب بجلده لكن الأمن المركزي كان يضرب بلطجية رملة بولاق في الخارج بشدة .. كان الموت يحاصره من جميع الجهات إن قبع في بيته أو هرب منه .. تسمر في مكانه يراقب الدخان وهو يتكاثف فيأخذ شكل رجل أحمر البشرة و الملبس . 
- أنت من الجن ؟ 
قالها عليش وهو يتذكر قصص جني المصباح و السبع أمنيات فيتأرجح بين الخوف و السعادة 
- انا من منظمة " حدتو " 
- مين ؟ 
- " حدتو " .. الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني .. كيف لا تعرفها !؟ 
قال عليش بغباء : انا أعرف الحزب الوطني .. و الإخوان المسلمين فقط .
قال الرجل الأحمر: كنت من شباب منظمة " حدتو" الشيوعية . و حين تطاولت على الذات الرئاسية للسيد الرئيس جمال عبد الناصر عاقبني فحبسني في هذه الجزمة إلى أن مسحتها أنت فحررتني 
- هذه الجزمة لم يتم تلميعها منذ عهد عبد الناصر ؟ 
أجاب الرجل الأحمر بأسى : لغسان مشاكل خاصة بالصحة و النظافة إن سردتها عليك واحدة واحدة إتهمتني بالجنون .. 
- يا منجي من المهالك !
ثم إستطرد عليش متسائلا : طيب .. هل تحقق لي سبع أمنيات كجني المصباح ؟ 
- لا 
ثم بتوسل أكثر : و لا حتى ثلاث أمنيات ؟
رد الرجل الأحمر ببرود : مكانش يتعز .. كنت أخرجت نفسي من الجزمة
-طيب
سأل الرجل الأحمر: قل لي إذن أين أجد أقرب مقر لأحد الأحزاب الشيوعية؟
- الشيوعين تعيش أنت 
- يا راجل !؟ 
- آه و النعمة 
- طيب و مين اللي ماسك مصر دلوقتي ؟
- الإخوان المسلمين
 سرح الرجل الأحمر قليلا ثم قال فجأة : إذا لا مفر من عودة التيار الشيوعي ، سوف أكون بطلا و سوف تساعدني أنت . سأرتدي زيا مثل زي سوبرمان يحمل على صدره رمز النجمة الحمراء .. سأتسلح بالمنجل و الشاكوش .. سأحارب الرأسمالية أينما وجدت .. سوف .. 
أخرسه عليش بضربة قوية بصندوق الورنيش على رأسه فسقط مغشيا عليه . 
وقف عليش فوقه قائلا : انا اخوان مسلمين يا أبن الكلب ، المرة دي الريس مرسي هيحبسك في شبشب زنوبة يا ابن القحبة

----------

حين مللت من مشاهدة العالم من خرم الإبرة تعلمت أن أنفذ إلى جميع الغرف المغلقة عبر ثقب المفتاح و حين تعلمت السير على الحبل تركت مفاتيح سيارتي لصبي المكوجي و صرت أذهب إلى أي شارع أريده في المدينة سيرا على كابلات الكهرباء و أسلاك التليفون .
حين إكتشفت موهبتي السحرية لم أخبر أحد سوى صاحب عربية الكبدة. إرتعشت زوايا العضلات حول فمه ، مسح دموع الفرحة التي نبتت على حواف عينيه و أعطاني مغرفة الكبدة لتكون عصاتي السحرية و علق على رقبتي عود سجق . مسح جبهتي بالصلصة و أعلنني أميرا على عزبة النخل و عزبة شنودة و العرب و عين شمس و المطرية
لا تخف . سأريك كل شيء أعرفه إن أردت أن تتبعني لكن لي شرط واحد ، أن تعلمني كل يوم رقصة جديدة .




توت
 ! لطالما أدهشني كيف نبدأ دائماً بال ( توت ) و نعود لننتهي أيضاً عنده 
توت : هو أول شهور السنة القبطية ، أخذ أسمه من الإله ( تحوت ) إله الحكمة و المعرفة عند المصريين القدماء . أحد آلهة التاسوع المقدس ، المولود من قلب الإله ( رع ) ، زوج الإلهة ( ماعت ) و أول من علم المصريين الكتابة و قسّم الزمن
 جسد المصريين تحوت في هيئة الطائر المقدس أبو منجل ( إيبس ) الذي يتزامن ظهورة مع أول السنة الزراعية معلناً بداية دورة حياة جديدة ، و إذ تقترن الحكمة مع التفاؤل و التجدد و البشارة السعيدة ، يصير (توت) أفضل بداية من الممكن أن نطلبها
---
تعود جذور التقويم القبطي إلى أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد حينما قسم الفراعنة السنة إلى 12 شهراً  ، كل شهر 30 يوماً .. و يضاف إليهم الشهر الصغير ( نسيء ) : خمسة أيام فقط / ستة أيام في السنوات الكبيسة  ، و هي طريقة إستخدمتها أيضاً بعد ذلك حضارة المايا التي تتشابه لغتها المكتوبة مع اللغة المصرية القديمة 
أذكر جدتي الصعيدية و هي تخبرني ذات مرة عن أحد بلدياتنا أنه ولدة حسومات  ، و حين سألتها ما الذي يعنيه هذا التعبير  ( ولدة حسومات ) أجابتني بأن مواليد الحسومات هم من يولدون في أواخر  السنة القبطية و خاصة في شهر ( نسيء ) الشهر الأزعر  ، المبتور فيشابهونه بدورهم و يصبحون  من ذوي العاهات البدنية أو التخلف العقلي  ، و حين علمت - بعد ذلك بسنوات - عن ( أيام الحسومات   ) و هي عشرة أيام تأتي في شهر أمشير / مارس و يعتقد أنها الأيام التي أهلك فيها قوم عاد : وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ . سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (سورة الحاقة )  إعتقدت أن جدتي قد أخطأت فأمشير يقع في منتصف شهور السنة القبطية و هو بعيد جداً عن نسيء ، لكن ربما كان المقصود من كلمة ( حسومات ) هو الشهر المحسوم من شهور السنة و هكذا يستقيم المعنى
---
لدينا - نحن المصريين - الكثير من البدايات المُباركة و النهايات الملعونة  ، فما نبدأه بالحكمة ننهية  بالحسومات ، و لنا باع طويل في صناعة منتجات ممتازة ذات تقفيل رديء . مشكلتنا كما يقولون : في الفينيش أو التفنيش  
أذكر أغنية كنت أسمعها في الأعراس ، أغنية بسيطة إلى حد السذاجة مع بعض التلميحات الجنسية تحكي عن شاب يتحرش بشابة فتتوعده - بمياصة - أنها ستخبر والدها ، و هي أغنية (ال توتو نيّ ) .. و لدي نظرية - غير مؤكدة إطلاقاً - عن ( توته النيّ ) التي أفسرها بمعنى قلة حكمته / غشوميته التي سيدفع ثمنها بدون شك حين يعرف أبوها فعلته و يضربه 
---
شاهد جزء من الأغنية في ذلك الاستعراض الراقص الذي قدمته عايده رياض مع الفرقة القوميه للفنون الشعبيه و غناء الفنانة فاطمة عيد .. و هو أستعراض سيء جداً بالمناسبة 


توت حاوي حاوي توت 
خش اتفرج هرج فوت 
قعده فكيهة
هتسمع فيها
 * حكاية البيضة والكتكوت 
---
جزء من قصيدة أحمد فؤاد نجم بعنوان ( توت حاوي حاوي توت ) غناها الشيخ إمام و غناها أيضاً محمد منير . و يرجع الأصل للمثل الشعبي ( توت حاوي توت ) أي أن الساحر يتكلم بمعرفة و علم ( تحوت )  و ربما يقصدون كتاب تحوت ، حيث تذكر الأسطورة أن تحوت قد كتب كتاباً سحرياً من يقرأه بصوت مرتفع يكتسب قوة سحرية تمكنه من فهم لغة الحيوان و النبات و السيطرة على قوى الطبيعة

وتوتة توتة توتة  
ولا تخلص الحدوتة 
دي بتبدأ من جديد 
مادام في كل جانب 
افواه على ارانب 
وبياكلوا في الحديد


توتة توتة - فاطمة عيد : فيلم أفواه و أرانب


محمد كان صاحبي أيام المدرسة ، كان أحياناً بيزود حرف سين في آخر الكلام .. حاولنا نحدد إزاي و ليه بيقرر أنه يحط حرف السين في آخر الكلام معرفناش .. كان واضح أنها بتطلع غصب عنه ، ساعتها قلنا طالما في ناس عندها ( لدغة ) و مبتعرفش تنطق السين يبقى مش عجيبة يكون في ناس تانيين - زي محمد - بينطقوا السين أكتر من اللازم .. محمد قرر أنه يحب زينبس ( زينب )، بس كانت مشكلته أنه مش عايزها تلاحظ حكاية السين
محمد كان مريض بالسكر كنا عارفين أنه بياخد كل يوم حقنة قبل ما ييجي المدرسة و كنا عارفين ايه هو السؤال اليومي اللي بتيجي أبله كارولين تسألهوله في ودنة ، ساعتها مكنش عندنا فكرة واضحة عن مرض السكر ، و إعتقدنا أن من أعراض مرض السكر أنك تزود حرف سين في الكلام و طبعاً ده معناه أن الألدغ في السين مش ممكن يجيله مرض السكر  
شنطة محمد المدرسية كانت دايماً مليانة حلويات ، ساعات كنا بنخطفها منه و نكبش منها لكن في أغلب الأوقات كان بيوزعها هو علينا ، انا شخصياً كنت بحبه لأن ساندوتشات شنطتي انا كمان كانت بتتسرق و أحياناً - لما أكون جعان - كنت بوزع منها على زمايلي بنفسي .. و الفكرة هنا أني لما أوزع ساندوتشاتي عليهم ممكن يسيبولي ساندوتش ، غير أني ها أترحم من الجري و النطنطة ورا شنطتي لما يخطفوها مني ، ده غير الإسفين الاباليسي اللي كنت بقصد أعمله لما أفرش ساندوتشاتي على الدكة و أسيبهم يتخانقوا عليها بعيد عني ، أعتقد أن محمد كان بيحسبها بنفس الطريقة 
كان عندنا ولد أسمر زميلنا أسمه (علي علي سعيد ) كان من نيجيريا و كان عنده هواية جميلة هي أنه يقلب جفون عينيه و يطلع يجري ورا البنات و هما بيصوتوا و في مرة زنق بنت في ركن الحوش و هو قالب جفونه ، البنت قعدت تصوت و بعدين بللت جيبتها و أغم عليها 
الفترة اللي قعدها علي علي سعيد في مدرستنا كانت قصيرة و جدي كان بيوصله لبيتهم هو و أبوه كل يوم معانا في العربية ،  ساعتها كنت متضايق قوي من جدي بس ما أتكلمتش معاه في الموضوع خالص مش عارف ليه ، لكني لحد النهاردة مش قادر أفهم إزاي جدي و أبو الولد ملاحظوش أن أنا و علي عمرنا ما كلمنا بعض و إحنا مرزوعين في كنبة العربية و لا كلمة واحدة .. انا كنت خايف منه .. و هو غالباً كان بيحتقرني 
في يوم و احنا بنلعب كورة شراب في الفسحة قرر علي أنه يضايق زينبس ، و كان محمد واقف جون و بالصدفة كان ماسك الكورة الشراب في إيده ، و فجأة ساب الماتش و راح ناحية علي و قال له شوية كلام مليان حرف السين لدرجة اننا مفهمناش منه حاجة غير جملة مبتورة  " أمك بتمشي حافية " و بعدين قام حاطط الكورة الشراب في كوباية الكوكاكولا اللي كان علي ماسكها 
هنا تسارعت الأحداث .. المهم أن علي مسك محمد ضربه لحد ما خلاه يعيط ، و بعد ما خلص عياط ضربناه إحنا كمان ، و انا للأسف شاركت في الضرب علشان شرابي كان عنصر من عناصر الكورة الشراب اللي حطها محمد في كوباية الكوكاكولا 
بعدها مرت الأيام علينا من غير جديد .. كورة شراب .. مازنجر .. ضرب العشرات .. حصة الدين .. لولاكي .. و في يوم شفت محمد و هو واقف مع زينبس في ركن فاضي من حوش المدرسة و لاحظت أن زينبس طلعت من شنطتها ساندوتش ، قسمته نصين ، أدت محمد نص و أبتسمت


------------
هوامش : الصورة من هناك


ضرب السيد المسيح كوب السوبيا الساقعة كله في رشفة واحدة ، إنتظر حتى إنتهينا ثم جمع أكوابنا الفارغة و سلمها لعم سيد صاحب عربية السوبيا و هو يغمزه بورقة من فئة العشرة جنيهات ، نظرت له بإستعطاف و أنا أمد يدي في جيب جلبابي الخاوي فإبتسم و هز رأسه بما معناه ( لا عليك .. عندي انا العزومة دي ) .  أخرج سيجارة كليوباترا مُضعضعة من جيب سرواله ، أشعلتها له بحماس فأومأ لي ممتناً ثم قال مخاطباً الجمع  الذي يتبعه
" إلى ميدان التحرير " 
----
" يوحنا طالع في الصورة ؟ " 
قالها و هو يفرد ذراعه حول كتف أحد جنود سلاح المدرعات ليفسح مكاناً إضافياً في الكادر ،و تلاميذه يتراصون على جانبيه فوق سطح الدبابة، فأجبته دون أن أرفع عيني من فوق عدسة الكاميرا أن جميع أولاد الله ظاهرون
----
قابلته صدفة في كوريدور طويل بمقر تيار التجديد الإشتراكي، كان يعد لنفسه كوباً من الشاي فناولته  حفنة من أكياس السكر لكنه رفضها بلطف و هو يقول 
" يُفسد طعم الشاي " 
سألته بلهفة حقيقية عن رأيه في ما حدث بالأمس فأجابني بحزم 
" جميع خطايانا مغفورة إن إحتمينا بالتوبة ، إلا العيب في الذات العسكرية .. فاهمني يا أبن المتضايقة ؟ "
----
الصورة : من ألبوم محمد مرعي



طلب مني أن أناوله الشعلة الأولمبية ، حشرها تحت إبطه العاري محتفظاً بالرأس المشتعل وراء ظهرة إلى أن أخرج سيجارة جديدة من العلبة الكليوباترا فأطبق عليها بشفتيه و أعاد علبة السجائر إلى جيب سرواله ثم أشعل السيجارة بالشعلة الأوليمبية و أعادها إليّ مرة أخرى ، أمسكت بمقبض الشعلة و قد أصبحت تحمل رائحة عرقه السمجة المنفرة و حاولت ألا أفكر في الموضوع بينما تتجنب أناملي ملامسة تلك الشعيرات اللذجة التي هربت لتوها من الدغل المختبيء تحت إبطه و إلتصقت بمقبض الشعلة
لاحظت أن الفواصل بين إيماءات رأسي المؤكدة على كلامه بدأت تتباعد .. فأومأت بسرعة مؤكداً على حديثه و عزمت على أن أقول شيء ما مثل " بكل تأكيد " أو " نعم .. هذا صحيح " حين يتوقف عن الكلام ليبتلع ريقه ، لكن هذا الوغد يبدو أنه لن يتوقف أبداً
ثمة معلومة هامة يجب أن تعرفها لكي تنجح في حياتك ، لكن لا تنظر إلي هكذا لست أنا من سيخبرك عنها-
يا الله .. الحقير يظن أني أهتم بنصائحه ، حسناً إليك هذه النصيحة : لا تقابل ضيوفك مرتدياً فانلة داخلية متسخة أيها الوغد  .. لعن الله الظروف التي أحوجتني إليك 
 و بخصوص الموضوع الذي طلبته مني ذلك اليوم -
قالها بتأن و هو يضغط بشفتيه على الكلمات ليستمتع بمشاهدتي و قد إشتعلت أعصابي في إنتظار ما سيقول .. آه يا حيوان .. عذبني لمدة أطول من فضلك .. تلذذ أكثر يا ابن الكلب
تعرف أني لا أرفض لك طلب أبداً ، لكن عليك أيضاً أن تراعي حرج موقفي -
أدركت حينها أني غالباً سأقتله ، ضربة واحدة من الشعلة الأوليمبية على رأسه و يفقد الوعي ،  أحشره داخل السجادة الحمراء التي يقف عليها و ألقي بجثته في النيل .. تعثر الشرطة بعد فترة على جثته و تستدل على شخصه عن طريق بقعة المانجو الصفراء على صدر فانلته و بقايا حيواناته المنوية المتحجرة في كهوف سرواله الفضفاض .. يُحيل القاضي أوراقي إلى فضيلة المفتي و يصلني قبل تنفيذ الحكم جواب شكر من زوجته 
آنست و شرفت .. كنت أود لو تخرج مجبور الخاطر ، لكن ما باليد حيلة هذه المرة - 
  شكرته بتلك العبارات المقتضبة المحفوظة فرد عليها بتلك العبارات المبتذلة الحقيرة ، مططت شفتي بما يشبه الإبتسامة فمط شفتيه بما يوحي بالتأثر ، دعوت لزوجته بالشفاء العاجل رغم يقيني أنها تختبيء خلف باب غرفتها تسترق السمع و لم أنس أن أضع الشعلة الأوليمبية في الفجوة المخصصة لها بين طيات زلومة الفيل الأبيض الواقف على قائمتيه الخلفيتين ، ذلك التمثال الغبي الذي يشي بذوق صاحبه السوقي هو أول من يستقبل الضيوف و آخر من يودعهم من موقعه المميز   المواجه لباب المنزل ، ودعته موزعاً نظراتي بينه و بين الفيل الأبيض و أصريت على أن غلق باب الشقة بنفسي فور خروجي حتى لا يهبط معي إلى بوابة العمارة ليودعني 

---------
هوامش : الصورة من هنا

G-Swing feat. Le Major Melon - La Voix Humaine

إخباريات
زي عود كبريت 
لأجل ما ينطفي
فكر يختفي
هرب و إندس
فط نط ف حضن قش
ملعوت أنا 
----
أخبرني بوذا و هو يطأطأ رأسه للحلاق أسفل كوبري أبو العلا عن أحدث المستجدات على الكوكب قائلاً  :" الحياة يا عزيزي سوبر ماركت كبير " ثم أخرج سيجارتين من العلبة الكليوباترا قدم لي واحدة و أشعل الأخرى لنفسه ، و لم ينس أن يفرك بأصبعه السبابة الغليظ الفجوات القذرة بين أصابع قدميه و هو يستطرد قائلاً 
" و أنت يا روح أمك معاكش و لا مليم " 
---
و في المساء أشعل كلب الحراسة سيجارة جديدة و أخبر الأرنب البمبي أن السيد يعامل جميع أرانب الحظيرة بإحتقار متساوي 
و لأن المساواة في الظلم هي عين العدل فلا مجال هنا للغضب أو التذمر

-----
أخرج سيجارة أخرى فأشعلتها له بسرعة حتى لا أقطع حديثه الذي ينساب في أذني كالموسيقى ، أومأ لي برأسه شاكراً فأومأت له بدوري أن " لا عليك "  .. سحب نفساً عميقاً من سيجارته و أخذ رشفة من كأس الفودكا ثم نفث دخان السيجارة في الهواء و هو يقف منتصباً 
" الآن أرحل  "
 " ! سألته مستنكراً : " الآن 
إبتسم بحنان و قال 
" بيني و بين الناس شعرة إن أرخوها شددت و إن شدوها أرخيت " 
و تركني هناك أكمل سهرتي وحيداً و أسأل نفسي و انا أراقبه و هو يغلق أزرار بدلته و يقفز من الشباك أين سمعت هذه الجملة من قبل ؟ 
-----